هيثم هلال
213
معجم مصطلح الأصول
تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [ المائدة : الآية 38 ] فإذا دخلت الفاء في أيّ جملة يترتب فيها الحكم على الوصف فإنه يفيد التعليل ، سواء دخلت على الحكم أو دخلت على الوصف . وذلك لأن الفاء وضعت في مثل هذه الصور للتسبيب فتفيد العلية . أما ورودها في اللغة بمعنى الجمع المطلق ، وورودها بمعنى « ثم » في إرادة التأخير والمهلة ، فإن هذا غير ظاهر فيها ، علاوة على كونه يكون في حال وجود قرينة تمنع التعقيب والتسبيب . ولهذا فالأصل فيها إفادة التعليل . والجمع والتأخير خلاف الأصل . وذلك أن الفاء موضوعة في اللغة للترتيب والتعقيب . ففي قوله عليه السلام : « من أحاط حائطا على أرض فهي له » يدل الترتيب على العلية ، لأن الفاء هنا للتعقيب ، وحينئذ يلزم أن يثبت الحكم عقيب ما رتب عليه ، فيلزم سببيته للحكم . ثانيها : ما لو حدثت واقعة فرفعت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فحكم عقيبها بحكم ، فإنه يدل على كون ما حدث علة لذلك الحكم . وذلك كما روي أن أعرابيّا جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « هلكت وأهلكت » فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما ذا صنعت ؟ » فقال : « واقعت أهلي في نهار رمضان عامدا » فقال عليه السلام : « أعتق رقبة » فإنه يدل على كون الوقاع علة للعتق . وذلك لأنا نعلم أنّ الأعرابيّ إنما سأل النبي عليه السلام عن واقعة لبيان حكمها شرعا ، وأن النبي عليه السلام إنما ذكر ذلك الحكم في معرض الجواب له ، لا أنه ذكره ابتداء منه ، لما فيه من إخلاء السؤال عن الجواب ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ، وكل ذلك وإن كان ممكنا إلا أنه خلاف الظاهر . فإذا كان ذلك جوابا عن سؤاله ، فالسؤال الذي عنه الجواب يكون ذكره مقدّرا في الجواب في كلام المجيب ، فيصير كأنه قال : « واقعت فكفّر » . ثالثها : أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا لو لم يقدّر التعليل به ما كان لذكره فائدة . ومنصب الشارع مما يتنزه عنه . والنصوص التشريعية ، عادة ، يكون لكل ما يذكر فيها اعتبار تشريعي ، ولذلك يعدّ هذا النص معلّلا ، ويكون الوصف علة ، مثل ما إذا كان الكلام جوابا على سؤال ، سواء أكان الوصف في محل السؤال ، أو عدل عن محل السؤال في بيان الحكم إلى نظير لمحل السؤال . وذلك كما روي عنه عليه السلام : أنه سئل عن جواز بيع الرّطب بالتمر ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أينقص الرطب إذا يبس ؟ » فقالوا : « نعم » فقال : « فلا ، إذا » فاقتران الحكم بوصف النقصان في جوابهم أن الرطب ينقص إذا يبس لا يمكن أن يكون عبثا ، ولا بد من فائدة ، واقتران جواب النبي عن بيع الرطب بالفاء في قوله : « فلا ، إذا » وهي من صيغ التعليل دلالة على أن النقصان علة امتناع بيع الرطب بالتمر ، من ترتيبه الحكم على